فخر الدين الرازي

373

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 152 إلى 153 ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 ) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل . واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي - الاتخاذ - محذوف ، والتقدير : اتخذوا العجل إلهاً ومعبوداً ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 88 ] وللمفسرين في هذه الآية طريقان : الأول : أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل ، وهم الذين قال فيهم : سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وعلى هذا التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب اللَّه عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب اللَّه / عليهم فكيف يمكن أن يقال : في حقهم أنه سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك الغضب هو أن اللَّه تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله : وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا هو أنهم قد ضلوا فذلوا . فإن قالوا : السين في قوله : سَيَنالُهُمْ للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا ؟ قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر اللَّه تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتنان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقاً على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار . والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان : الوجه الأول : أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب . يقولون للأبناء : فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم ، فكذا هاهنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ في الآخرة وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كما قال تعالى في صفتهم : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [ البقرة : 61 ] . والوجه الثاني : أن يكون التقدير إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي الذين باشروا ذلك سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه . أما قوله تعالى : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ فالمعنى أن كل مفتر في دين اللَّه فجزاؤه غضب اللَّه والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين اللَّه . أما قوله تعالى : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولًا ، وذلك بأن يتركها أولًا ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانياً : يؤمن باللَّه تعالى ، ويصدق